محمد بن جرير الطبري

466

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

كانت كلمة لليهود بمعنى السب والسخرية ، فاستعملها المؤمنون أخذا منهم ذلك عنهم ، فإن ذلك غير جائز في صفة المؤمنين : أن يأخذوا من كلام أهل الشرك كلاما لا يعرفون معناه ، ثم يستعملونه بينهم وفي خطاب نبيهم صلى الله عليه وسلم . ولكنه جائز أن يكون ذلك مما روي عن قتادة ، أنها كانت كلمة صحيحة مفهومة من كلام العرب ، وافقت كلمة من كلام اليهود بغير اللسان العربي ، هي عند اليهود سب ، وهي عند العرب : أرعني سمعك وفرغه لتفهم عني . فعلم الله جل ثناؤه معنى اليهود في قيلهم ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، وأن معناها منهم خلاف معناها في كلام العرب ، فنهى الله عز وجل المؤمنين عن قيلها للنبي صلى الله عليه وسلم ، لئلا يجترئ من كان معناه في ذلك غير معنى المؤمنين فيه ، أن يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم به . وهذا تأويل لم يأت الخبر بأنه كذلك ، من الوجه الذي تقوم به الحجة . وإذ كان ذلك كذلك ، فالذي هو أولى بتأويل الآية ما وصفنا ، إذ كان ذلك هو الظاهر المفهوم بالآية دون غيره . * * * وقد حكي عن الحسن البصري أنه كان يقرؤه : ( لا تقولوا راعنا ) بالتنوين ، بمعنى : لا تقولوا قولا " راعنا " ، من " الرعونة " وهي الحمق والجهل . وهذه قراءة لقراء المسلمين مخالفة ، فغير جائز لأحد القراءة بها لشذوذها وخروجها من قراءة المتقدمين والمتأخرين ، وخلافِها ما جاءت به الحجة من المسلمين . ومن نون " راعنا " نونه بقوله : ( لا تقولوا ) ، لأنه حينئذ عامل فيه . ومن لم ينونه فإنه ترك تنوينه لأنه أمر محكي . لأن القوم كأنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم : ( راعنا ) ، بمعنى مسألته : إما أن يرعيهم سمعه ، وإما أن يرعاهم ويرقبهم - على ما قد بينت فيما قد مضى - فقيل لهم : لا تقولوا في مسألتكم إياه " راعنا " . فتكون الدلالة على معنى الأمر في " راعنا " حينئذ سقوط الياء التي كانت